محمد جمال الدين القاسمي

263

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

المتأخرين من وضع المسألة بلقب شنيع فقال : لا يجوز أن يتكلم اللّه بكلام ولا يعني به شيئا ، خلافا للحشوية . وهذا لم يقله مسلم إن اللّه يتكلم بما لا معنى له ؛ وإنما النزاع هل يتكلم بما لا يفهم معناه . وبين نفي المعنى عند المتكلم ، ونفي الفهم عن المخاطب ، بون عظيم . ثم احتج بما لا يجري على أصله ، فقال : هذا عبث ، والعبث على اللّه محال ، وعنده أن اللّه لا يقبح منه شيء أصلا ، بل يجوز أن يفعل كل شيء ، وليس له أن يقول العبث صفة نقص ، فهو منتف عنه ، لأن النزاع في الحروف ، وهي عنده مخلوقة من جملة الأفعال ، ويجوز أن يشتمل الفعل عنده على كل صفة ، فلا نقل صريح ، ولا عقل صحيح . ومثار الفتنة بين الطائفتين ومحار عقولهم أن مدعي التأويل أخطئوا في زعمهم أن العلماء يعلمون التأويل ، وفي دعواهم أن التأويل هو تأويلهم الذي هو تحريف الكلم عن مواضعه . فإن الأولين ، لعلمهم بالقرآن والسنن ، وصحة عقولهم ، وعلمهم بكلام السلف ، وكلام العرب ، علموا يقينا أن التأويل الذي يدعيه هؤلاء ليس هو معنى القرآن . فإنهم حرفوا الكلم عن مواضعه ، وصاروا مراتب ما بين قرامطة وباطنية يتأولون للأخبار والأوامر . وما بين صابئة فلاسفة يتأولون عامة الأخبار عن اللّه وعن اليوم الآخر ، حتى عن أكثر أحوال الأنبياء . وما بين جهمية ومعتزلة يتأولون بعض ما جاء في اليوم الآخر وفي آيات القدر ، ويتأولون آيات الصفات . وقد وافقهم بعض متأخري الأشعرية على ما جاء في بعض الصفات ، وبعضهم في بعض ما جاء في اليوم الآخر . وآخرون من أصناف الأمة ، وإن كان يغلب عليهم السنة ، فقد يتأولون أيضا مواضع يكون تأويلهم من تحريف الكلم عن مواضعه . والذين ادعوا العلم بالتأويل مثل طائفة من السلف وأهل السنة ، وأكثر أهل الكلام والبدع ، رأوا أيضا أن النصوص دلت على معرفة معاني القرآن . ورأوا عجزا وعيبا وقبيحا أن يخاطب اللّه عباده بكلام يقرءونه ويتلونه وهم لا يفهمونه . وهم مصيبون فيما استدلوا به من سمع وعقل ، لكن أخطئوا في معنى التأويل الذي نفاه اللّه ، وفي التأويل الذي أثبتوه وتسلق بذلك مبتدعتهم إلى تحريف الكلم عن مواضعه ، وصار الأولون أقرب إلى السكوت والسلامة بنوع من الجهل ، وصار الآخرون أكثر كلاما وجدالا ، ولكن بفرية على اللّه ، وقول عليه ما لا يعلمونه ، وإلحاد في أسمائه وآياته ، فهذا هذا . ومنشأ الشبهة الاشتراك في لفظ التأويل . فإن التأويل في عرف المتأخرين من